د. محمد سليم يكتب..الطاقة الشمسية فوق الأسطح مقابل المشروعات الضخمة في مصر: هل نحن على المسار الصحيح؟

شهد قطاع الطاقة في مصر استثمارات كبيرة في مشروعات الطاقة المتجددة، وخاصة محطات الطاقة الشمسية الضخمة. وعلى الرغم من أن هذه المشروعات تسهم في تعزيز أمن الطاقة وجذب الاستثمارات الأجنبية، فإنها غالبًا ما تطغى على مشروعات الطاقة الشمسية فوق الأسطح (RTPV)، التي تتيح للمستهلكين إنتاج الكهرباء في موقع الاستهلاك، مما يقلل الفاقد في الشبكة ويعزز الاستقلالية في الطاقة.
لكن لماذا لم تنتشر هذه المشروعات رغم مزاياها الواضحة؟ هل السبب يعود فقط إلى عوامل اقتصادية، أم أن هناك أسبابًا خفية تجعل الاستثمارات تتجه نحو المشروعات الضخمة بدلاً من دعم الحلول اللامركزية؟
لقد سبق لي أن قدمت مقترحًا بهذا الشأن إلى لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ المصري، حيث اقترحت حلولًا لدعم مشروعات الطاقة الشمسية الصغيرة، لكن حتى الآن لا يزال التركيز على المشروعات الكبرى دون النظر إلى الفوائد التي يمكن تحقيقها من تبني نموذج أكثر توازناً بين الحلين.
لماذا يتم تفضيل المشروعات الضخمة؟
هناك عدة عوامل تفسر هذا الاتجاه، منها:
الاعتماد على الاستثمار الأجنبي: حيث تسعى الحكومة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل المشروعات الضخمة، مما يجعل دعم مشروعات صغيرة مبنية على استثمارات محلية أقل أولوية.
السيطرة الحكومية على سوق الكهرباء: المشروعات الضخمة تظل تحت سيطرة الحكومة، بينما يؤدي انتشار أنظمة RTPV إلى توزيع الإنتاج بين عدد كبير من الأفراد والمؤسسات، مما يقلل التحكم المركزي.
القيود الفنية والتشغيلية: تحتاج الشبكة الكهربائية إلى تحديثات لضمان استيعاب الطاقة الموزعة بشكل آمن وفعال، وهو ما يفرض اعباء مالية وتشغيلية على شركات التوزيع .
غياب الحوافز المالية: على عكس المستثمرين الكبار الذين يحصلون على قروض ميسرة واتفاقيات شراء طويلة الأجل، يواجه الأفراد والشركات الصغيرة تحديات في تمويل أنظمة RTPV.
مزايا الطاقة الشمسية فوق الأسطح
تمتلك أنظمة RTPV العديد من المزايا، أبرزها:
توليد الكهرباء في موقع الاستهلاك: مما يقلل الاعتماد على الشبكة الوطنية ويخفض الفقد في نقل وتوزيع الطاقة.
توفير الوقود وخفض فاتورة استيراد الغاز المسال: حيث تساهم هذه الأنظمة في تقليل الاعتماد على محطات الكهرباء التقليدية التي تستهلك الغاز الطبيعي.
تمكين المستهلكين من إنتاج الكهرباء: ما يمنح الأفراد والشركات فرصة خفض فواتير الكهرباء وتحقيق نوع من الاستقلالية في الطاقة.
خلق فرص عمل ودعم الصناعة المحلية: إذ تعتمد أنظمة RTPV على تركيب وصيانة محلية، مما يعزز سوق العمل ويدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
العائق الرئيسي فى حينه: عدم توازن تعريفة التغذية (FiT)
رغم هذه الفوائد، فإن تعريفة التغذية التى تم اصدارها فى 2014 لأنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح غير محفزة على الإطلاق مقارنةً بتلك الممنوحة للمشروعات الضخمة، حيث نجد:
تعريفة التغذية للمشروعات الضخمة (مثل مجمع بنبان) تصل إلى 14.3 سنتًا لكل كيلووات ساعة للمرحلة الاولى و 8.4 سنت / ك وس للمرحلة الثانية، مما يجعلها جاذبة للمستثمرين.
تعريفة التغذية للطاقة الشمسية فوق الأسطح تبلغ 84.3 قرشً / ك وس للمرحلة الاولى و 104 قرش/ ك وس للمرحلة الثانية ، وهو ما يجعل العائد الاستثماري غير مشجع للأفراد والشركات الصغيرة.
ثم تم إيقاف هذا البرنامج بالكامل، واستبداله بآليتين جديدتين:
نظام صافي القياس (Net Metering): الذي يسمح لأصحاب أنظمة الطاقة الشمسية بضخ الفائض إلى الشبكة وتعويضه في الفواتير المستقبلية، ولكنه لا يوفر حافزًا ماليًا مباشرًا.
نظام التعريفة التنافسية (Competitive Tariff): الذي يطبق على المشروعات الكبرى، حيث وصلت الأسعار إلى 2.4 سنت / ك وس في بعض المناقصات، مما يعكس انخفاض تكلفة الإنتاج في المشروعات الضخمة بسبب الاقتصاديات الحجمية.
هذا التوجه قد يكون منطقيًا للمشروعات الكبرى التي تعتمد على استثمارات ضخمة وعقود طويلة الأجل، لكنه غير منطقي عندما يتعلق الأمر بالمشروعات الصغيرة، حيث أدى إلى غياب أي حوافز مباشرة للمنازل والمصانع للاستثمار في الطاقة الشمسية.
غياب الحوافز والتعقيدات الإدارية
رغم الفوائد الكبيرة لأنظمة RTPV، فإنها تواجه عدة تحديات تعرقل انتشارها، أبرزها:
عدم وجود برامج تمويلية ميسرة تدعم الأفراد والشركات الصغيرة الراغبة في تركيب أنظمة الطاقة الشمسية.
تعقيدات الحصول على التصاريح من الجهات المختصة، مما يعيق سرعة تنفيذ المشروعات.
إجراءات معقدة للربط بالشبكة الكهربائية، حيث يتطلب الأمر موافقات طويلة وإجراءات على الرغم من توفر منصة الكترونية لاستقبال ملفات تركيب المحطات الشمسية .
عدم وجود سعر عادل لتعويض الفائض المنتج، مما يجعل صافي القياس أقل جاذبية مقارنةً بالدعم المباشر عبر تعريفة التغذية.
لماذا يجب دعم الطاقة الشمسية فوق الأسطح؟
رغم هذه العوائق، فإن دعم مشروعات RTPV يمكن أن يحقق فوائد استراتيجية لمصر، منها:
توفير الوقود وخفض فاتورة استيراد الغاز المسال، مما يعزز الميزان التجاري للدولة.
تقليل الفاقد الكهربائي الناتج عن النقل والتوزيع، وهو أحد التحديات الرئيسية في الشبكة المصرية.
دعم الاقتصاد المحلي عبر تحفيز الشركات المصرية المتخصصة في تصنيع وتركيب أنظمة الطاقة الشمسية.
تعزيز استقلالية المستهلكين في الطاقة، مما يقلل الضغط على الشبكة الوطنية ويوفر استقرارًا في الإمدادات.
ما الذي يجب فعله؟
لتصحيح المسار وتحقيق توازن بين المشروعات الضخمة والحلول اللامركزية، يجب اتخاذ إجراءات عاجلة، منها:
إعادة تقديم حوافز مالية لمشروعات RTPV، سواء عبر دعم مباشر أو تعريفة عادلة لصافي القياس.
إطلاق برامج تمويلية بفوائد منخفضة لدعم المنازل والمصانع في تركيب الأنظمة الشمسية.
تسهيل إجراءات الترخيص والربط بالشبكة لتشجيع المستثمرين الصغار على المشاركة في التحول الطاقي.
وضع سياسات عادلة لتعويض الفائض المنتج، بحيث يحصل منتجو RTPV على عائد مجزٍ من الطاقة التي يتم ضخها إلى الشبكة.
تشجيع تصنيع مكونات الطاقة الشمسية محليًا لدعم الصناعة الوطنية وتقليل التكاليف.
خاتمة
إن دعم المشروعات الضخمة مهم، لكنه لا يجب أن يكون على حساب الطاقة الشمسية فوق الأسطح، التي تقدم حلولًا أكثر استدامة ومرونة. إن وقف تعريفة التغذية دون تقديم بدائل تحفيزية للمشروعات الصغيرة كان خطوة غير متوازنة، ومن الضرورى العمل على تصحيح هذا الوضع من خلال سياسات عادلة تحفز جميع شرائح المستثمرين، وليس فقط الشركات الكبرى.
لقد تقدمت بمقترح رسمي إلى لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ المصري لدعم هذه المشروعات، وأؤكد أن تحقيق تحول طاقي شامل يتطلب توزيع الفرص بشكل عادل بين المستثمرين الكبار وصغار المنتجين، لأن الاعتماد على نموذج مركزي فقط قد يحرم مصر من فرص اقتصادية وبيئية هائلة.
فهل سنشهد تصحيح المسار قريبًا، أم ستظل الطاقة الشمسية مقتصرة بشكل عام على المستثمرين الكبار فقط؟