د. محمد سليم يكتب ..القول الفصل في التوقيت الصيفي في مصر

في خضم الجدل المتجدد حول إعادة تطبيق التوقيت الصيفي في مصر، تتباين الآراء ما بين من يرى فيه وسيلة لترشيد استهلاك الطاقة، ومن يعتبره إجراءً غير فعّال.
ولأن النقاش في هذا الشأن يتطلب تحليلاً علمياً وموضوعياً مبنياً على بيانات استهلاك الكهرباء وسلوك الأحمال، فإليكم القول الفصل في أثر هذا التوقيت على منظومة الكهرباء المصرية.
متى يحدث حمل الذروة؟
أثبتت بيانات مركز التحكم القومي للكهرباء أن فترة الذروة اليومية في مصر تقع بين الساعة 7 مساءً و10 مساءً، أي بعد غياب الشمس، حيث يقل ضوء النهار وتزيد الأحمال الكهربائية نتيجة استخدام الإنارة والتكييف والأجهزة المنزلية بعد عودة المواطنين من العمل إلى منازلهم، وكذلك نتيجة زيادة كثافة الاستهلاك في المحلات التجارية والمولات والمقاهي.
بالتالي، فإن الطلب الأقصى على الكهرباء لا يتأثر بعدد ساعات سطوع الشمس خلال النهار، وإنما يتعلق بشكل مباشر بسلوك المواطنين بعد الغروب.
ماذا يفعل التوقيت الصيفي؟
عند تقديم الساعة 60 دقيقة:
يبدأ يوم العمل مبكرًا، وتنتهي بعض الأنشطة في ضوء الشمس.
يُفترض أن يُقلل ذلك من استخدام الإنارة الصناعية.
لكن في الواقع المصري:
معظم المنشآت الحكومية والمحلات التجارية والمنازل تظل في نشاطها حتى ساعات متأخرة من الليل.
ومع دخول المواطنين إلى منازلهم مساءً، تبدأ ذروة الاستهلاك، والتي لن تتغير لمجرد تقديم الساعة.
وبالتالي، فإن ما يحدث فعليًا هو مجرد تحريك منحنى الاستهلاك ساعة إلى الأمام، ثم يعود مرة أخرى، دون تأثير يُذكر على إجمالي الطلب أو الذروة.
وعليه، فإن هناك إجراءات أخرى أكثر فعالية وتأثيرًا لترشيد الاستهلاك ينبغي تبنيها.
هل يؤدي إلى ترشيد الطاقة؟
في السياق المصري:
زيادة ساعات النشاط النهاري تحت أشعة الشمس تؤدي إلى ارتفاع استهلاك أجهزة التكييف، خاصة في فصل الصيف الذي يشهد درجات حرارة تفوق 40 درجة مئوية في كثير من المناطق.
التكييف هو المكون الأكبر في الحمل الكهربائي صيفًا، وليس الإضاءة.
بالتالي، فإن تطبيق التوقيت الصيفي لا يؤدي إلى خفض ملموس في استهلاك الكهرباء، بل قد يؤدي إلى زيادته نتيجة ارتفاع استهلاك التبريد والتكييف.
ماذا عن الدول الأخرى؟
في الدول ذات المناخ البارد وعدد اقل سطوعا للشمس مثل ألمانيا وكندا، حيث تمثل التدفئة والإضاءة الحصة الكبرى من استهلاك الكهرباء، قد يكون للتوقيت الصيفي تأثير إيجابي على تقليل الاستهلاك في بعض المواسم.
أما في البلدان الحارة والمشمسة مثل مصر، فإن معظم استهلاك الكهرباء صيفًا يذهب إلى أجهزة التكييف، التي لا تتأثر كثيرًا بتغير توقيت العمل، بل بدرجات الحرارة وسلوك الأنشطة اليومية.
الحسابات الاقتصادية
حتى عندما أشارت بعض الجهات إلى وجود توفير طفيف في استهلاك الغاز الطبيعي المستخدم في المحطات، فإن هذا الرقم لا يقارن بالتكلفة غير المباشرة الناتجة عن:
تعقيد توقيتات النقل والطيران
اضطراب أنظمة البرمجيات والمواعيد في القطاعات الحيوية
تأثيره على الساعة البيولوجية للمواطنين وراحتهم
ساعات اليوم لا تختصر حقًا
من الحقائق التي يغفل عنها كثيرون أن الوفر المحتمل في يوم تقديم الساعة ساعة واحدة (23 ساعة فقط) يتم امتصاصه بالكامل عند العودة إلى التوقيت الأصلي وتأخير الساعة (25 ساعة).
وهذا يعني أن عدد ساعات التشغيل الكلي خلال فترة تطبيق التوقيت الصيفي لا يختلف فعليًا عن التوقيت العادي.
وبذلك، فإن التأثير الإجمالي على استهلاك الطاقة على مدى الأسابيع أو الأشهر لن يكون كبيرًا، وقد يتغير سلبًا أو إيجابًا بحسب نمط وسلوك استهلاك الكهرباء في كل مجتمع.
فإذا كان النشاط يتركز مساءً – كما هو الحال في مصر – فلن يكون هناك جدوى حقيقية من تغيير الساعة.
وبالتالي، فإن أي وفر ناتج عن تقديم الساعة يتم تعويضه في يوم العودة، فلا يوجد تأثير صافٍ حقيقي على استهلاك الطاقة.
البدائل الفعلية لترشيد الطاقة
نشر أنظمة الخلايا الشمسية على الأسطح (RTPV) لتقليل الضغط على الشبكة في فترة النهار.
تحسين كفاءة أجهزة التكييف ودعم الأجهزة الأعلى كفاءة.
تطبيق برامج فعالة للترشيد في المؤسسات الحكومية والمنازل.
تغيير سلوك المستهلكين من خلال التوعية، وليس بتغيير الساعة.
تنظيم مواعيد تشغيل المولات والمقاهي للحد من الأحمال غير الضرورية.
الخلاصة
القول الفصل هو أن التوقيت الصيفي في مصر لا يمثل أداة فعالة لترشيد استهلاك الطاقة، بل قد يأتي بنتائج عكسية نظرًا لطبيعة نمط الاستهلاك، خاصة مع حدوث حمل الذروة ليلاً بعد غياب الشمس.
وبدلًا من الالتفاف حول الساعة، فأنه من الاجدر أن نركز على أدوات حقيقية ومباشرة للترشيد وتحسين كفاءة الطاقة وتقليل الفقد.